حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
33
شاهنامه ( الشاهنامه )
فلما راهق انقض من حالق ذلك الجبل كالعقاب الحاطف . سؤال فريدون أمه عن نسبه وجاء إلى أمه كالقمر الزاهر واستخبرها عن أحواله وآبائه وأجداده . فأعلمته أن أباه كان يسمى أبتين من الفرس ينتسب إلى طهمورَث الملك . وأن الضحاك قد قتله ، وأطعم دماغه الحيتين النابتتين على كاهليه . وسردت عليه حكايته من أوّل خروجها إلى المرج ، وتربيتها إياه بلبن البقرة إلى أن حملته إلى أرض الهند هاربة به . فلما سمع ذلك منها التهب غيظا ، واستشاط غضبا . فأطرق مليا ثم تنفس الصعداء ، وفض ختام سره ، وقال لا بد من إعمال السيف في هذه القضية ، وصب أسواط القهر على هذا الظالم ، وسيجرى بيني وبينه يوم تنفصم فيه متون الصفاح ، وتتقصد أصلاب الرماح . فقالت له أمه خفض عليك ، ولا تنظر إلى الدنيا بعين شبابك ، ولا تغتر بقوّة بأسك . فان كل من سكر من جام الغرور في مقتبل العمر وريعان الشبيبة لا يفيق إلا عن ندامة . والحازم من خمر الرأي وأتقن التدبير ، وشاور في أموره الصغير والكبير . فكفكفت من غلوائه ، وخفضت من طغيانه . قصة الضحاك وكاوه الحداد قال وكان الضحاك لا يفتر لسانه عن ذكر أفريدون ، وقد وقع في قلبه من الذعر منه ما سلبه الرقاد ، وحرمه القرار . وكان يتجلد ، وبكل شيء كالغريق يتعلق . فأمر يوما أن ينادى في المملكة بجمع كل موبذ كان موصوفا بكمال العلم ، ورزانة الحلم ، وثقوب الرأي ، ووفور العقل . فلما جمعهم قال لهم إن ورأى عدوّا لا يخفى ظهوره عليكم . وإن الملك الحازم لا يكون غافلا عن عدوّه وإن كان صغيرا . فإن شره عن قريب يصير مستطيرا . وإني عزمت على أن أجمع عساكر الجن والانس ، وأنهض في طلب هذا العدوّ . فلعل السعادة تظفرنى به ، وتمكنى منه . فأمرهم أن يكتبوا محضرا ينطق بأن الملك لم يزل مثابرا على بث المعدله بين الرعية ، كافا يد الظلم عن العالم ، لا يقدم إلا على ما فيه مصالح الخلائق ومناحج أوطارهم فبيناهم في ذلك المحفل يكتبون شهاداتهم في ذلك المحضر إذ فجئهم صياح عظيم ملأ الأسماع من باب الإيوان . فسأل الضحاك عن ذلك فقالوا متظلم مستغيث . فأمر به فأدخل عليه . ولما مثل بين يديه شبك أصابعه على أم رأسه ، ورفع صوته بالبكاء والعويل . وقال أيها الملك : إنك قد ملكت أقاليم الأرض ، ونفذت أوامرك في الشرق والغرب . لكنك نكايتك منحصرة في هذه الخطة . وبالأمس قتل ولدى ، وقرة عيني لإطعام دماغه للمحيتين ، ولم يبق لي غير هذا الولد ، وقد أخذ اليوم . فكيف انتهت النوبة إلىّ من بين جميع الخلق في هذه المدّة